ابو القاسم عبد الكريم القشيري

49

لطائف الإشارات

وفي معناه : حين أسلمتني لذال ولام * ألقيتنى في عين وزاي « 1 » [ فصل ] العبادة نزهة القاصدين « 2 » ، ومستروح المريدين ، ومربع الأنس للمحبين ، ومرتع البهجة للعارفين . بها قرّة أعينهم ، وفيها مسرة قلوبهم ، ومنها راحة أرواحهم . وإليه « 3 » أشار صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : أرحنا بها يا بلال » . ولقد قال مخلوق في مخلوق : يا قوم ثاري عند أسمائي * يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها * فإنه أصدق أسمائي والاستعانة إجلالك لنعوت كرمه ، ونزلك بساحة جوده ، وتسليمك إلى يد حكمه ، فتقصده بأمل فسيح ، وتخطو إليه بخطو وسيع ، وتأمل فيه برجاء قوى « 4 » ، وتثق بكرم أزلي ، وتتكل على اختيار سابق ، وتعتصم بسبب جوده ( غير ضعف ) « 5 » . قوله جل ذكره : [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 6 ] اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) الهداية الإرشاد ، وأصلها الإمالة ، والمهدىّ من عرف الحق سبحانه ، وآثر رضاه ، وآمن به . والأمر في هذه الآية مضمر ؛ فمعنا اهدنا بنا « 6 » - والمؤمنون على الهداية في الحال - فمعنى السؤال الاستدامة والاستزادة . والصراط المستقيم الطريق الحق وهو ما عليه أهل التوحيد . ومعنى اهدنا أي مل بنا إليك ، وخذنا لك ، وكن علينا دليلنا ، ويسّر إليك سبيلنا ، وأقم لنا هممنا ، واجمع بك همومنا . [ فصل ] اقطع أسرارنا عن شهود الأغيار ، ولوّح في قلوبنا طوالع الأنوار ، وأفرد

--> ( 1 ) وردت و ( زار ) ( 2 ) وردت ( القاصرين ) ( 3 ) أي وإلى ذلك أشار ( 4 ) وردت ( قومي ) وهي غير مناسبة للمعنى . ( 5 ) إما أن تكون زائدة أو ينقصها حرف الجر في فتكون ( في غير ضعف ) أو تكون ( غير ضعف ) ( أساس البلاغة ص 563 ) أي غير متكثر بالأسباب لجلب المال . ( 6 ) ويكون المعنى على هذا أقم فينا ما يجعلنا نهتدى به إليك ، ولكن نرجح أن يكون قد وقع خطأ من الناسخ وأن الأصل ( اهدنا بك ) لأن ذلك يتفق مع مذهب القشيري وغيره من الصوفية حيث يعتبرون كل شئ يقع من العبد مرده إلى الحق سبحانه ، فلا قدرة للعبد - وحده - على معرفة اللّه ، ولا على الاهتداء إليه ، وتدل الدلائل فيما بعد على ذلك مثل قوله ( فنجدك بك ) . واما أن يكون الأصل ( اهد بنا ) أي - كما جاء فيما بعد - مل بنا .